الشيخ محمد رشيد رضا

18

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بها عند ذبحها كما يأتي وهذا شرك باللّه لأنه عبادة توجه إلى غيره سواء أسمي ذلك الغير إلها أو معبودا أم لا ؟ ، وقد غفل عن هذا بعض كبار المفسرين فلم يهتد اليه بذكائه وعلمه ولم يروه عن غيره فاستشكل هو ومن تبعه المسألة وقالوا إن المشركين لم يكونوا يحرمون ما ذكر اسم اللّه عليه ولا يمتنعون من أكله ولكنهم كانوا يأكلون الميتة أيضا فكيف نازعهم في المتفق عليه وسكت عن المختلف فيه ؟ وأجابوا عن السؤال باحتمال أنهم كانوا يحرمون المذكاة وبجواز أن يكون المراد بما ذكر اسم اللّه عليه الاقتصار على المذكى دون غيره فيكون بمعنى تحريم الميتة ، وكل من الوجهين باطل ولا محل له هنا كما علمت ، وقد بينا من قبل أن سبب غفلة أذكياء المفسرين عن أمثال هذه المسائل اقتصارهم في أخذ التفسير على الروايات المأثورة ومدلول الالفاظ في اللغة أو في عرف الفقهاء والأصوليين والمتكلمين الذي حدث بعد نزول الآن بزمن طويل ، ولا يغني شيء من ذلك عن الاستعانة على فهم الآيات الواردة في شؤون البشر بمعرفة الملل والنحل وتاريخ أهلها وما كانوا عليه في عصر التنزيل وقد كان من أثر تقصير المفسرين وعلماء العقائد والاحكام في أهم ما يتوقف عليه فهم المراد من أمثال هذه الآيات أن وقع كثير من المسلمين فيما كان عليه أولئك الضالون من مشركي العرب وغيرهم حتى الذبح لبعض الصالحين وتسييب السوائب لهم كعجل البدوي المشهور أمره في أرياف مصر ، ولما سرت هذه الضلالة إلى المسلمين ذكر الفقهاء حكمها ومتى تكون كفرا كما سيأتي ، وجملة القول أن مسألة الذبائح من مسائل العبادات التي كان يتب بها إلى اللّه تعالى ثم صاروا في عهد الوثنية يتبون بها إلى غيره وذلك شرك صريح ، وهذا هو الوجه لذكرها في هذه السورة بين مسائل الكفر والايمان والشرك والتوحيد . * * * وَما لَكُمْ أن لا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ تقول العرب مالك أن لا تفعل كذا وهو من موجز الكلام بالحذف والتقدير ، وتقدير الكلام هنا وأي شيء ثبت لكم من الفائدة في ترك الأكل مما ذكر اسم اللّه عليه ؟ وكلمة « في » تحذف قبل أن وأنّ قياسا . وقيل إن معنى الجملة : وأي شيء يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه ؟ وإن هذا معروف في كلامهم ، والتقدير الأول أظهر وأبعد عن التكلف